لشهر رمضان مزايا متعددة، وخصائص متنوعة، وفضائل جمة..
ومن ذلك أنه الشهر الذى أنزلت فيه الكتب السماوية، ففي أول ليلة منه أنزلت صحف إبراهيم، وفى الليلة السادسة منه أنزلت التوراة على موسى، وفي الليلة الثالثة عشرة منه أنزل الإنجيل على عيسى، وفي ليلة القدر منه أنزل القرآن الكريم.
وهو الشهر الوحيد الذي جاء ذكره في القرآن الكريم..
وهو الشهر الذى بجانب كونه شهر عبادة وتهذيب للروح.. هو -أيضًا- شهر جهاد لإعلاء كلمة اللّٰه.
ففى السنة الثانية من الهجرة، وفى شهر رمضان، كانت غزوة بدر.
وفي السنة الثامنة من الهجرة، وفى شهر رمضان، كانت غزوة الفتح الأعظم، وفي رمضان من العام الخامس عشر الهجري، كانت معركة القادسية، وفيها قضى على المجوسية بفارس، وفي رمضان من العام الثاني والتسعين كان فتح الأندلس بقيادة طارق ابن زياد.
وفي رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، تم بناء الجامع الأزهر بمصر.
وفي رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة، تم طرد الصليبين من سوريا على يد صلاح الدين الأيوبي.
وفي رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، انتصر المسلمون على التتار في موقعة عين جالوت.
وفي رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف، تم عبور القوات المصرية لقناة السويس، وطرد القوات الإسرائيلية.
وهكذا نرى أن شهر رمضان له من المزايا والخصائص الكثير والجليل، فهو شهر العبادة والجهاد، وشهر الجود والخير، وشهر المغفرة والرحمة ، وشهر البر والبركات، وشهر التهذيب والتأديب.
وإليك بعض العبادات والقربات التي تكون في شهر رمضان، وفى أعقابه:
صلاة التراويح :
1 - فضلها من أعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم في رمضان : صلاة التراويح ، التي يؤديها المسلم في كل ليلة من رمضان بعد صلاة العشاء ، وقبل صلاة الوتر ، ويمتد وقتها إلى قبيل الفجر. وسميت بذلك ، لأن المصلين لها يستريحون بالجلوس عقب كل أربع ركعات منها ، أو لأن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل أربع ركعات ، فينالون فضل الطواف ويستريحون . وتسمى أيضاً بصلاة القيام ، لأن المصلين يقومون لصلاتها عقب صلاة العشاء. ٢ - وقد رغب النبي الله في هذه الصلاة وفيما يشبهها من صلاة الليل في أحاديث كثيرة ، منها : ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال : كان النبي ﷺ ، يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة أي : من غير أن يأمرهم أمراً مؤكداً كما يأمر بأداء الفرض - فيقول «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»
فتوفى رسول الله -ﷺ - والأمر على ذلك -
أي : على الترغيب في القيام لهذه الصلاة منفردين - ثم كام الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، وصدراً من خلافة عمر . وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت : « خرج رسول الله - ﷺ- ليلة من جوف الليل أي : في رمضان فصلي في المسجد ، وصلى رجال بصلاته - أي : مؤتمين به ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه ، أي : في الليلة الثانية ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله -ﷺ - فصلی ، فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله ، أي : ضاق بسبب كثرة المصلين ، إلا أن النبي
- - لم يخرج إليهم في الليلة الرابعة ، حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضى الفجر أقبل الناس فتشهد ثم قال : أما بعد فإنه لم يخف على مكانكم ، ولكني خشيت أن تفترض عليكم ، فتعجزوا عنها ، فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك » ( رواه الشيخان وأبو ( داوود )
وروى البخارى عن عبد الرحمن بن عبد القارى قال : خرجت مع عمر ابن الخطاب ليله في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون - أي : جماعات متفرقة ، يصلى الرجل لنفسه ، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط - أى : الجماعة من ثلاثة إلى عشرة . فقال عمر : إنى أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد - أي : على إمام واحد - لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن سأل عائشة : كيف كانت صلاة رسول الله -ﷺ - في رمضان ؟ أي :
ما عدد صلاة القيام في رمضان ؟ فقالت : « ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعا ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلى أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن - أي : كان يصلي أربعا فى نهاية الحسن من الإتقان والتطويل وكمال الخشوع ، ثم يتبعها بأربع أخرى ، ثم يصلى ثلاثا ... ...»
وروى الإمام مالك عن يزيد بن رومان قال « كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة » أي :
منها الوتر ثلاثاً والقيام عشرون . وروى البيهقي عن السائب بن يزيد ، أنه قال : كانوا يقومون على عهد عمر - رضى الله عنه - في شهر رمضان ، بعشرين ركعة . هذا جانب من الأحاديث التي وردت في صلاة التراويح ، ويؤخذ منها ما يأتي :
1 - أن الرسول - ﷺ - قد صلى بأصحابه صلاة القيام بضع ليال . إلا أنه لم يواصل صلاته بهم خوفاً من أن تفترض عليهم فيعجزوا عنها
2 - أن الرسول - ﷺ - قد صلى بهم إحدى عشرة ركعة كما يفهم من حيث عائشة - وأنهم يصلون في عهد عمر - رضى الله عنه - عشرين ركعة .
قال بعض العلماء : ولا منافاة بين هذه النصوص ، لاحتمال أنهم كانوا مرة يقومون بإحدى عشرة ، وأخرى بثلاث وعشرين بالوتر، أو أنهم صلوا القليل أولا ، ثم ظهر لهم أنه لا حرج عليهم في الزيادة لأنها صلاة ليل لا حد لها.
والذي تطمئن إليه النفس ، أن صلاة التراويح من النقل المطلق الذى لا حد لأكثره ، بل ثبت أن أهل المدينة كانوا يصلون التراويح في عهد عمر بن عبد العزيز سناً وثلاثين ركعة ، وكانت حجتهم في ذلك أن أهل مكة كانوا يصلونها عشرين ، ويطوفون بين كل أربع رکعات ، فزادوا هم أى : أهل المدينة - مكان كل طواف أربع ركعات ، ليساووا أهل مكة في العبادة. فكانت تراويحهم ستا وثلاثين ركعة.
كما أننا نرجح أن صلاتها في جماعة وفي المسجد أفضل لأن في ذلك تكثيراً للجماعة ، ومحافظة على عبادة من العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى صلاتها في البيت .
والفقهاء متفقون على الجهر بالقراءة فيها ، وعلى أنها تصلى ركعتين ، وعلى أن ختم القرآن كريم في صلاة التراويح خلال شهر رمضان مندوب ومستحب.. كما أنهم متفقون على أن الخشوع والأناة في صلاتها ، من الأفعال الواجبة فيها ، كما هو الشأن في كل صلاة أمرنا الله تعالى بأدائها ، قرب ركعات قليلة تؤدى بخشوع وإتقان وإخلاص ، تكون خيراً من ركعات كثيرة لا تتوافر فيها تلك الفضائل.